ببيت يعيش فيه أم و أبنتها الصغيرة و غاب الأب عنه بملاقاته ربه بحادث سير ، لم تقوَ الأم على فراق ابنتها أميرة لحظة واحدة خيفة فقدها ، أصبحت الأم هي الأب أيضا في حياة أميرة ، عبرت السنين وكبرت فأصبح عمرها ثمانية عشر عاماً ، تخرجت من الثانوية ، و شب عودها.
يوم ما ذهبت أميرة لإحدى شركات والدها التي كان يديرها أحد أصدقاء العائلة فرأت بعض الموظفين متسيبين في أعمالهم، عندها قررت أن تعمل في الشركة علها تضبط حالها و أمورها. واجهتها صعوبة في البداية ، لكن بعد تعب وجهد و خبرة شهور تعلمت ونجحت واستطاعت أن تصلح مشاكل و أخطاء جمة من تلك التي تحصل في الشركة ، أدارت جميع شركاتها بنفسها ، و صنعت للشركة أسم هيبة بالبلد ، ضاعفت أموال والدها إلى ثروة كبيرة ، يعمل تحت سيطرتها آلاف الموظفين و العمال ، عندها قررت أن تسافر إلى الخارج لتوسع من تجارتها.
ذهبت للمطار و أنهت إجراءات سفرها و ما بقي إلا تفتيش حقائبها ، تفاجأت بوجود رجال الأمن من حولها و كأنها قد ارتكبت فعل شنيع ، منعوها من السفر و ألقي القبض عليها و اتهامها بخيانة الوطن ، تم التحقيق معها و لكن لا جواب لأي سؤال فالصدمة كانت شديدة ، أصبح كل شي ضدها ، ألقيت في السجن لحين عرضها على المحكمة ، استعانت والدتها بأكبر المحامين بالبلد لكن دون جدوه ، حكم عليها بخمس سنوات ومن ثم الإعدام و مصادرة جميع ممتلكاتها بتهمة التجسس على أمن الوطن ، أغمي على الأم ونقلوها إلى المستشفى ، أخبرهم الطبيب بأنها أصيبت بشلل نتيجة لصدمة عصبية .
تفاجأت بعد ثلاث سنوات بأخذها للتحقيق من جديد ، و إنهم قد ألقوا القبض على امرأة بنفس اسمها وتقريبا نفس الصفات ،اعترفت بتعاملها مع دول أخرى ، تم التحقيق في قضية أميرة من جديد و اتضح لهم بأنها ليس لها علاقة بالتجسس و الفتاة التي قبض عليها مؤخرا هي المطلوبة .
نقض الحكم السابق وأخرجوها من السجن مقدمين اعتذاراً رسمياً بورقة مكتوب على طرفها “عذرا على خطؤنا “ و أمر بإرجاع جميع ما صودر منها، صرخت قائلة: بعد ماذا تقولون ذلك بعد مرض أمي؟ أم بعد سجني مع مجرمين لا يعرفون الرحمة؟ بل وتشويه سمعتي بين الناس؟ هذه أخطاء لا تغتفر ، أخطاء لا تغتفر.
خرجت من السجن و ذهبت ملهوفة إلى بيتها لترى والدتها لكنها وجدت بيتا مهجوراً قد غابت عنه الحياة البشرية لفترة ليست بالقليلة، خرجت من بيتها وهي تقول: يا ترى أين والدتي ؟ نظرت أمامها فرأت إحدى الجارات، سألت عن أمها فاخبرها بموت الحبيبة قبل عامين ماضيين.
جلست متأثرة وحزينة بضعت أيام ثم ذهبت إلى شركاتها لتجدها خاليه فحاولت أن تسترجع قواها في السوق لكن لم يقبل أي التجار أن يساعدها ، جميعهم خائفون من تشويه سمعتهم بذنب لم ترتكبه ، أما البعض الآخر فقد أبلغ الشرطة خيفة أنها قد تكون هاربة من السجن، عندها قررت أن تسافر لتعمل في الخارج و لكن يراودها شعور بأنها ستكرر القصة من جديد ، أصبحت في حالة نفسية وقلق وخوف طوال أيامها بسبب الخطأ الذي حل بها ومعاملة الناس لها .
بدأت حالتها تسوء مع الأيام شيئا فشيء حتى جاء ذلك اليوم الذي فقدت فيه عقلها فأصبحت تحدث نفسها بحديث المجانين ، وجد الأطفال العابثين ببيتها ورقة ملقية على إحدى الطاولات ، ورقة قد كتبتها قبل أن تفقد عقلها ، فيها وصيتها بخط يدها :
"عندما أموت لا تدفنوني في هذا البلد ، جدوا لي مكان أخر ، لا يكون فيه أخطاء ، لا يكون عمر الإنسان فيه مهدور بأخطاء حقيرة ، لربما لو دفنتموني هنا فسيخطئون في القبر وسيكتبون اسما أخر غير اسمي و أصبح صفحة مطوية فلا فاتحة تقرأ و لا قضية تذكر" أميرة..